ابن عجيبة

427

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

المذنب والنعمة عليه ، ولذلك قيل : ليست المعصية في القرب كالمعصية في البعد . وليس لأحد من النساء مثل فضل النساء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشدّ منه للعاصي الجاهل ؛ لأن المعصية من العالم أقبح ، وفي الحديث : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه » « 1 » ؛ لقوة الجرأة في العالم دون غيره . ولهذا أيضا فضل حدّ الأحرار على العبيد ، ولم يرجح الكافر . وَكانَ ذلِكَ أي : تضعيف العذاب عليهن عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ؛ هينا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ أي : يدم على الطاعة لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي : مثل ثوابي غيرها ، مرة على الطاعة ، ومرة على طلبهن رضا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بالقناعة ، وحسن المعاشرة . وقرأ حمزة والكسائي بالغيب « 2 » على لفظ « من » ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ؛ جليل القدر ، وهو الجنة . الإشارة : من شأن الملك أن يعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم ، ويهددهم بما لا يهدد به غيرهم ، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يعطى غيرهم ، فإن هفوا وزلّوا عاتبهم ، ثم يردهم إلى مقامهم ، وربما سمح وأغضى . والغالب : أن الحق تعالى يعجل عتلت خواصه ، في الدنيا قبل الآخرة ، بمصائب وأهوال ، تصفية وتطهيرا ، ولا يبعدهم من حضرته بما اقترفوا . قال القشيري : زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة ، كحدّ الحر والعبد ، وتقليل ذلك من أمارات النقص ، ولمّا كانت منزلتهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء ، تضاعفت عقوبتهن على أجرامهن ، وتضاعف ثوابهن على طاعتهن ، فقال : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ . . . وقال : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ . . . الآية ه . واللّه تعالى أعلم . ثم وصّاهن بما يليق بجنابهن المعظم ، فقال : يا نِساءَ النَّبِيِّ . . .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الصغير ( 1 / 182 ) والبيهقي في الشعب ( ح 1778 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وقال الهيثمي في المجمع ( 1 / 185 ) ( : رواه الطبراني في الصغير ، وفيه عثمان البرسي ، ضعّفه أحمد ، والنسائي ، والدارقطني . ( 2 ) قرأ حمزة والكسائي « يعمل » و « يؤتها » بالياء ، وقرأ الباقون « تعمل » و « نوتها » . انظر الحجة للفارسي ( 5 / 474 ) .